
شد الحبل .. لعبة علمتنا فن الانسحاب .
بقلم / نعمة حسن
شد الحبل.. اللعبة القديمة التي كشفت سر العلاقات السامة: لماذا يكون الانسحاب أحيانًا أعظم انتصار؟
كان الأطفال يقفون في صفين متقابلين، يفصل بينهما خط مرسوم على الأرض، ويتوسطهما حبل طويل. كل فريق يقبض عليه بكل ما أوتي من قوة، ثم تبدأ المعركة. لا سيوف، ولا كلمات، ولا خصومة شخصية؛ فقط حبل، وقوة، وإصرار. والفريق الذي ينجح في جر الآخر هو المنتصر.
لكن الحياة علمتني شيئًا لم تكن تلك اللعبة تقوله صراحة.
أحيانًا… الفائز الحقيقي ليس من يشد الحبل أكثر، بل من يعرف أن يتركه في اللحظة المناسبة.
كم من علاقة تحولت إلى مباراة شد حبل! وكم من صداقة، أو قرابة، أو زمالة، أو حتى خلاف على حق، أصبحت مجرد معركة لإثبات: من الأقوى؟
يقبض أحدهم على الحبل بكلتا يديه، ويبدأ في الشد. ينتظر منك أن تشد مثله، وأن تنزل إلى أرض المعركة، وأن تستنزف أعصابك ووقتك وكرامتك، حتى إذا انتصر قال: “غلبته.”
لكن الحقيقة أن هناك من لا ينازعك لأنه يريد الشيء الذي بين يديك، بل لأنه يريد أن يراك ممسكًا بالطرف الآخر من الحبل. وقد يكون الشيء الذي يتصارع عليه معك شخصًا لا يمثل عندك تلك القيمة التي يتخيلها، أو مكانًا تستطيع أن تغادره في أي لحظة، أو أمرًا تعلم أن الحياة لن تتوقف عليه. هو لا يريده لذاته، بل لأنه يعلم أن بينك وبينه خيطًا من العلاقة، فيحاول أن ينتزعه ليقال إنه أخذه منك.
وهناك من هو أبعد من ذلك… لا يبحث عن الشخص، ولا عن المكان، ولا عن الشيء، وإنما يبحث عن اسمك. كل ما يتمناه أن يُذكر اسمه إلى جوار اسمك، ولو في خلاف أو نزاع، لأنه يتوهم أن مجرد اقتران اسمه باسمك قد رفع من قدره، وألبسه من مكانتك، وجعله في أعين الناس يقف في المنزلة نفسها التي تقف فيها. يظن أن الخصومة تصنع الندية، وأن الوقوف في مواجهتك يمنحه قيمة لم يستطع أن يصنعها بنفسه.
وهنا يقع كثير من العقلاء في الخطأ؛ يمسكون الحبل، ويشدون بكل قوتهم، وهم لا يشعرون أنهم منحوا الطرف الآخر أكبر جائزة كان يبحث عنها: الاعتراف به.
أما أنا، فقد حدث هذا معي كثيرًا. رأيت من ينازعني على أشخاص ربما لا يمثلون عندي كل تلك الأهمية، فقط لأنني أعرفهم أو أتعامل معهم. ورأيت من ينازعني على أماكن، أو مواقف، أو أشياء لا تستحق أن أخسر من أجلها لحظة سلام واحدة. فكنت أترك لهم الأشخاص، وأترك لهم الأماكن، وأترك لهم كل ما يريدون أن يظفروا به، لا لأنني عجزت عن الاحتفاظ به، ولكن لأنني رفضت أن أدفع ثمنًا أغلى منه بكثير… مكانتي.
لأن بعض الأشياء يمكن تعويضها، أما إذا جعلت اسمك سلعة في كل نزاع، فلن يبقى لاسمك ذلك البريق الذي صنعته السنين.
تخيل المشهد.
هو يشد بكل قوته، ووجهه قد احمر، وعضلاته قد توترت، وكل تركيزه منصب على إسقاطك.
وفجأة…
تترك الحبل.
في اللحظة نفسها، لا يجد القوة التي كان يقاومها، فيرتد إلى الخلف، ويختل توازنه، وربما يسقط على الأرض بقوة اندفاعه هو، لا بقوتك أنت.
أليس هذا ما يحدث في كثير من حياتنا؟
هناك أشخاص لا يريدون منك شيئًا إلا أن تدخل معهم في معركة. لا يهمهم الحق بقدر ما يهمهم أن يروك تشد الحبل. لأن وجودك في الطرف الآخر هو الذي يمنحهم شعورًا بأنهم مهمون.
أما إذا تركت الحبل…
انتهت اللعبة.
لقد أدركت مع السنوات أن بعض الناس لا يستحقون أن تنازعهم على شيء. لا على منصب، ولا على مكانة، ولا على كلمة، ولا على شخص، ولا حتى على سوء فهم.
إن كان يظن أن انتصاره في أخذ شيء مني سيمنحه السعادة…
فليأخذه.
بكل سلام.
لأن قيمتي لم تكن يومًا فيما أملكه، بل فيما أترفع عنه.
هناك خسائر تبدو للناس هزيمة، لكنها في الحقيقة أعلى درجات الحكمة.
أن تترك المقعد، لا لأنك لا تستطيع الجلوس عليه، بل لأنك أكبر من أن تتقاتل عليه.
أن تترك الكلمة الأخيرة، لا لأنك عجزت عن الرد، بل لأن الصمت أحيانًا أكثر بلاغة من ألف جواب.
أن تترك الشخص الذي يتعامل معك وكأنك جائزة يتنافس عليها الآخرون، لأن الإنسان لا يقيس نفسه بمن يتمسك به، بل بمن يحترم وجوده.
ولذلك، لم أعد أخاف أن يقال: “ترك.”
بل أخاف أن يقال: “تشاجر على ما لا يستحق.”
فليس كل ما يمكن أن تربحه يستحق أن تخسر من أجله هدوءك.
وليس كل من ينازعك يستحق أن تمنحه شرف الوقوف في مواجهتك.
بعض المعارك أكبر انتصار فيها… ألا تبدأ أصلًا.
ولهذا، عندما أجد أحدهم يشد الحبل بكل ما لديه، مبتسمًا لأنه يظن أنه سيجرني إلى ساحته، لا أشده، ولا أقاومه، ولا أتنافس معه.
أترك الحبل.
وأترك له أيضًا وهم الانتصار.
أما أنا… فأمضي في طريقي خفيف اليدين، مرتاح القلب، لأنني تعلمت أن الكبار لا يقيسون قيمتهم بما انتزعوه من الآخرين، بل بما استطاعوا أن يتركوه دون أن تنقص منهم ذرة كرامة.
فإذا وجدت يومًا من ينازعك على شيء، فاسأل نفسك أولًا:
هل هذا الشيء يستحق أن أمسك الحبل أصلًا؟ أم أنني، بمجرد أن أمسكه، أكون قد منحت غيري المكانة التي جاء يبحث عنها؟
أترك المكان واحتفظ بالمكانة
مع تحياتي





